03/23 21:57
من الصعب ان تصنع دراما وفيلم قوي في قالب كوميديا سوداء، الصعوبه ليست في ان كلاهما من الصعب ان يلتقيا، لكن الصعوبه تاتي من انها تحتاج الي مؤلف ومخرج وممثلين متميزين يستطيعون ان يروضوا الكوميديه السوداء ويقدمونها في فيلم درامي متميز. معادلة كيميائية تحدث كل فتره ليخرج لنا فيلم متميز يتعلق في الاذهان، واخر نتائج تلك المعادله تتمثل في فيلم Wild Tales.
فيلم Wild Tales سيعرض هذا العام في امريكا وبريطانيا بالرغم ان الفيلم من انتاج عام 2014، وترشح لجائزه اوسكار لافضل فيلم غير ناطق بالانجليزيه لكنه خسر لصالح الفيلم البولندي Ida.
الفيلم يحكي ست قصص مختلفه بممثلين مختلفين في كل قصه من القصص غير متصله ببعضها البعض ولكن يتشاركون في نفس "التيمه" السينمائيه وهي كيف يقود الضغط بعض الافراد الي العنف.
السطور التاليه لن تحرق اي مفاجئات في الفيلم، فقط سيتم سرد فكره كل قصه
القصه الاولي تدور احداثها في طائره من خلال حديث يدور بين شابه ورجل، ويتصادف ان الرجل يعرف صديقها السابق والذي يدعي باستيرناك، ولكن لم تتوقف الصدف عند هذا الحد فقط.
فتاه تعمل نادله في مطعم علي احدي الطرق السريعه، وفي احد ايام عملها يدخل الي المطعم الرجل الذي افسد حياه عائلتها، فتحاول زميلتها في المطعم اقناعها بالانتقام لعائلتها.
رجل يقود سيارته في طريق سريع يقابل شخص اخر مريض بالعنف ويدور بينهما مشاده كلاميه.
خبير مفرقعات يعمل في احدي الشركات يقوده الضغط الي خساره وظيفته وربما عائلته.
اب يحاول حمايه ابنه الذي قام بدهس سيده حامل بسيارته مما ادي الي وفاتها، فيحاول بمساعده محاميه باقناع احد العمال ابن يعترف بانه من قام بالحادثه مقابل مبلغ مالي كبير.
اثناء زفافهما تكتشف الزوجه بان زوجها كان يخونها مع احدي صديقاته في العمل التي حضرت حفل الزفاف، ليبدا الانتقام.
لكن يبقي السؤال.. القصص تبدوا بسيطه بل عاديه، فما العظيم في الفيلم؟
عبقريه الفيلم تاتي من بساطه القصص، كل قصه تبدو سهله للغايه ولكن استطاع مخرج ومؤلف الفيلم داميان سزيفرون ان يكتب لها سيناريو وحوار عبقري ليثبت ان الفكره البسيطه يمكن ان تتحول الي فيلم رائع اذا كان الكاتب متميز، والعكس صحيح. فيكفي ان تعرف ان اخرين يحولون قصه مبتكره ومتميزه الي فيلم هش وضعيف.
داميان سزيفرون يدخل الي اعماق النفس البشريه في كل قصه، الي الجانب الخير والشرير في كل شخصيه، خاصه في القصه الخامسه التي تظهر الجانب الخير والقبيح في كل شخصيات القصه، وبالطبع تواجدت في باقي القصص ولكنها اقتصرت علي الشخصيات الرئيسيه في تلك القصص.
داميان سزيفرون ناقش مبدا اخر وهو كيف يؤدي بك الحال والظروف والضغط فجاه الي خيار واحد فقط لا بديل له وهو ارتكاب الجريمه، او ايذاء الطرف الاخر. سزيفرون نجح بعبقريه في تلك الجزئيه في كل القصص، فجعلك تتعاطف مع الشخص الذي سيرتكب الجريمه والايذاء، كما جعلك ايضاً تتعاطف ولو قليلاً مع المجني عليه، ليجعلك تقول نفس الجمله بعد نهايه كل قصه و هي "اصل مكنش فعلاً ينفع يتعمل غير كده ".
الفيلم يضم مجموعه كبيره من الممثلين، تباين مستواهم ما بين الممتاز الي المتوسط، لكن هناك ثلاثه ممثلين استطاعوا خطف الانظار بادائهم الرائع في قصصهم.
اولاً: ريكاردو ديرن بطل القصه الرابع
ربما هو افضل ممثل ارجنتيني حي، فهو بطل الفيلم الشهيرThe Secret in Their Eyes ، بالرغم من بساطه قصته الي انه باداء رائع يستطيع بكل سهوله ان يكتسب تعاطفك، وكيف لا وهو استطاع ان يكتسب تعاطف الارجنتين كلها في الفيلم، اداء لا يخرج الا من ممثل "تقيل" وهو افضل اداء في الفيلم، يخطفك منذ طلته الاولي.
ثانياً: ايريكا ريفاس بطله القصه السادسه
اذا كان سزيفرون يتصف بالجنون بسبب كتابته واخراجه لهذا الفيلم، فاداء ايريكا ريفاس التمثيلي تفوق علي جنان شخصيتها التي كتبها سزيفرون .
شخصيه رومينا التي قامت بتمثيلها ايريكا ريفاس هي من اكثر الشخصيات المجنونه التي ستشاهدها في اي فيلم، شخصيه يقودها الغضب الي الجنون الاعمي، اداء ايريكا جعلك تقتنع انك تشاهد زوجه مجنونه فعلاً، تقمص للشخصيه لا يصدق، تتقاسم مع ريكاردو ديرن الصداره كاحسن اداء تمثيلي.
ثالثاً: اوسكار مارتينيز بطل القصه الخامسه
ممثل اخر مخضرم، ينتمي الي نوعيه من الممثلين يمكن وصفهم بجمله واحده " عندما يتكلم تجلس وتستمع بما يقدمه " ، تعامل اوسكار مع الضغط الذي تتعرض له شخصيته كان مذهل ، سواء في مواقف الضعف او القوه كان يعكس للمشاهدين مشاعره و تصرفاته باداء عقلاني و ثابت .. قوه ادائه تكمن في هدوئه في كل المواقف.
من الصعب تاليف فيلم مثل Wild Tales، كتابه ست قصص لهم نفس التيمه يعتبر شيء صعب جداً فلابد ان لا تتشابه احداث اي قصه بالاخري، كما ان المشاهد بعد القصه الثانيه سيفهم التيمه وسينتظر من المؤلف مستوي اعلي بكثير في تناولها بشكل معقد اكثر، ليبقي السؤال عن المشاهد "وريني بقي واقنعني ازاي هتخلي الغضب يخلي الشخصيه تتجه للعنف"، وينتظر من المؤلف ان يقدم له اجابه جديده في كل قصه وتكون مقنعه وترضي تطلعات المشاهد بالطبع.
ببساطه نجح داميان سزيفرون في ذلك بسبب الذكاء في تسلسل القصص، التي تدرجت من البسيطه ثم المعقده ثم الاكثر تعقيداً.
اداء الممثلين يعكس مستوي المخرج، سزيفرون استطاع اكتشاف افضل اداء تمثيلي من الممثلين والتي تعتبر احد اهم نقاط القوه في الفيلم.
ايقاع الفيلم سريع للغايه، لن تشعر بمرور ساعتان عليه، وزايا الكاميرا لسزيفرون متميزه، توظيفه للموسيقي كان موفق، اخراج المشهد الاخير في كل قصه لا ينسي، خاصه في القصه الرابعه.